كشف المصوّر الصحفي البريطاني جايلز كلارك، أحد أبرز مصوري الأزمات الإنسانية في وكالة "غيتي إيمجز"، عن الأعباء النفسية والأخلاقية العميقة التي ترافق العمل في مناطق النزاعات والكوارث، وذلك خلال جلسة حوارية مؤثرة ضمن فعاليات المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026".
وفي حوار مفتوح مع الكاتب والصحفي المصوّر ريك سمالان، استعرض كلارك مسيرة مهنية امتدت لأكثر من عقدين في الصفوف الأمامية للأزمات الإنسانية، متنقلاً بين مواقع بالغة الخطورة، من مراكز احتجاز العصابات السرية في السلفادور، إلى مسألة سوء التغذية في اليمن، مروراً بأحياء هايتي الأكثر عنفاً، وآثار النزاعات في السودان عام 2025، وصولاً إلى توثيق تداعيات واحدة من أسوأ الكوارث الصناعية في العالم.
وأوضح كلارك أن حديثه لم يكن عن الصور بحد ذاتها، بقدر ما كان عن القرارات المصيرية التي تُتخذ في أجزاء من الثانية، والمخاطر الشخصية، والتأثير العاطفي طويل الأمد المترتب على الشهادة المباشرة على المعاناة الإنسانية.
من الغرفة المظلمة إلى خطوط النار
وأشار إلى أن بدايته المهنية كانت بعيدة عن مناطق الصراع، إذ عمل في منتصف تسعينيات القرن الماضي كمُحمِّض صور بالأبيض والأسود في نيويورك، من بينها فترة في الغرفة المظلمة الخاصة بالمصور الشهير ريتشارد أفيدون، حيث صقل انضباطه التقني قبل أن يتجه إلى التصوير الوثائقي الميداني، وهو ما شكّل الأساس لأسلوبه في التعامل مع البيئات القاسية لاحقاً.
السلفادور… المهمة التي غيّرت المسار
وتوقف كلارك عند واحدة من أولى محطاته المفصلية عام 2010 في السلفادور، حين رافق وحدة شرطة خاصة بمكافحة الجرائم، واكتشف وجود مواقع احتجاز غير رسمية خلف أحد مراكز الشرطة، يُحتجز فيها عشرات المعتقلين. ورغم منعه من التصوير، استخدم كاميرا صغيرة والتقط الصور خلسة، قبل أن يغادر المكان مسرعاً إلى المطار قبيل وصول السلطات للتحقيق في وجوده. وقد نالت تلك الصور لاحقاً اعترافاً دولياً ضمن جوائز "وورلد برس فوتو".
اليمن… صورة تهزّ العالم ولا تغيّره
ومنذ عام 2017، نفذ كلارك عدة مهمات في اليمن، موثقاً واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ما أتاح له الوصول إلى مناطق متضررة بشدة من القصف والحصار.
وأشار إلى أن إحدى صوره، لطفل يمني يعاني سوء تغذية حاداً، وعند سؤاله عمّا إذا كان ذلك قد أحدث فرقاً فعلياً على الأرض، قال كلارك بتأمل: "من الجيد أن تحاول…، لا يغيّر ذلك شيئاً، لكنك تظل تحاول".
كوارث لا تنتهي بانتهاء الحدث
كما استعرض تجربته الممتدة على مدى 15 عاماً في توثيق آثار كارثة تسرب الغاز السام في بوبال بالهند عام 1984، حيث أدى تلوث المياه الجوفية إلى ولادة أجيال جديدة تعاني تشوهات وإعاقات خطيرة. وقال إن صوره وثّقت أطفال الجيل الثالث الذين وُلدوا بتلك الإعاقات، مشيراً بصوت خافت إلى أن معظمهم لم يبقَ على قيد الحياة.
السودان… توثيق الجرح قبل الترميم
وفي أحدث أعماله، ركز كلارك على النزاعات الأهلية في السودان، حيث تمكن في أبريل 2025 من دخول الخرطوم بعد أسابيع قليلة من اندلاع المعارك. وقال: "أردت الدخول قبل بدء عمليات التنظيف، لأوثّق الواقع كما هو، فيما كانت آثار الدمار لا تزال طازجة والدخان يتصاعد".
الكلفة النفسية للشهادة
وعن كيفية الحفاظ على إنسانيته وسط كل هذا العنف، أوضح كلارك أن أصعب اللحظات لا تكون دائماً في الميدان، بل عند العودة إلى المنزل. وقال: "التحرير الليلي للصور هو الأصعب… حينها تعود إلى المكان، تتذكر، وتعيش المشهد من جديد. هذا الجزء هو الأكثر إجهاداً نفسياً".
وأضاف أن ما يخفف عنه هو إدراكه أن العاملين في الخطوط الأمامية من أطباء ومسعفين وموظفي إغاثة يعيشون هذه المعاناة على مدار الساعة، بينما هو، في نهاية المطاف، يعلم أنه سيغادر.
واختتم كلارك حديثه بالتأكيد على أن الصورة، مهما كانت مؤلمة، تظل محاولة ضرورية للشهادة على الحقيقة، حتى وإن لم تغيّر مجرى الأحداث، لأنها "لا تغادر الذاكرة أبداً".