أكد المصوّر البولندي المخضرم توماش توماشيفسكي، أحد أبرز مصوري مجلة "ناشيونال جيوغرافيك"، أن التصوير الفوتوغرافي يتجاوز كونه أداة توثيق ليغدو وسيلة فاعلة لصناعة الوعي الإنساني وإحداث التغيير، متى ما تأسس على الصدق، والأخلاقيات المهنية، وبناء الثقة مع البشر.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "كيفية بناء الثقة في الأماكن الصعبة" ضمن فعاليات الدورة العاشرة من المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026"، المقام في منطقة الجادة بالشارقة حتى الرابع من فبراير.

واستعرض توماشيفسكي مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من أربعة عقود في مناطق النزاعات والفقر، مشيراً إلى أن التصوير غالباً ما يضع المصوّر في مواجهة مخاطر حقيقية، سواء في بيئات غير آمنة أو حتى في أماكن تبدو مستقرة، إذا لم يُحسن المصوّر قراءة السياق الإنساني المحيط به.

موضحاً أن تجربته الطويلة مع "ناشيونال جيوغرافيك" كشفت له عن قوالب جاهزة تُلصق بالمصورين، بين من يُصنَّف لتصوير الطبيعة أو الحياة البرية أو الآثار، إلا أنه غالباً ما كان يُكلف بالعمل في الأماكن التي يرفض أهلها الوقوف أمام الكاميرا، لاقتناع المجلة بقدرته على بناء الثقة مع المجتمعات المتحفظة أو المتوجسة.

وأشار إلى أنه نشر 18 قصة مصوّرة في المجلة، شكّلت إحداها نموذجاً واضحاً للعمل في "الأماكن الصعبة"، مؤكداً أن بناء الثقة لا يقوم على وصفة جاهزة أو دليل مكتوب، بل هو حصيلة تجربة طويلة تقوم على التعاطف، والاحترام، وعدم استغلال معاناة الناس أو تحويلها إلى مادة استهلاكية.

وعن جدوى التصوير في زمن تتدفق فيه ملايين الصور يومياً، قال توماشيفسكي: "إذا دفعت صورة واحدة شخصاً ما للتوقف، أو البحث عن قصتها، أو التفكير في معناها، فهذا سبب كافٍ للاستمرار في التصوير".

وسرد مثالاً مؤثراً من تجربته في السلفادور، حين وثّق قصة رجل فقد ساقيه بسبب لغم أرضي، وكانت زوجته تحمله يومياً ليتمكن من الصيد. وأوضح أن سيدة في واشنطن تأثرت بالقصة وقررت مساعدته، لينتهي الأمر بإرسال محرك لقاربه، ما غيّر حياة القرية بأكملها خلال عام واحد، معتبراً أن مثل هذه اللحظات تختصر معنى التصوير الإنساني.

وسرد توماشيفسكي واحدة من أكثر تجاربه خطورة خلال عمله في السلفادور بعد الحرب الأهلية، حين وجد نفسه في مواجهة رجل وجّه سلاحه نحوه مهدداً بقتله. وقال إن ردّه لم يكن بالصراخ أو الهروب، بل بابتسامة وكلمات بسيطة غيّرت مسار اللحظة بالكامل، موضحاً: "نظرت إليه وقلت له: تبدو لطيفاً اليوم… هل تحتفل بعيد ميلادك؟". وأضاف أن الرجل صُدم من ردّة فعله غير المتوقعة، وتراجع عن إطلاق النار، معتبراً أن الابتسامة في مثل هذه اللحظات قد تكون أداة إنسانية بالغة القوة. وأكد أن هذا الموقف رسّخ قناعته بأن ما يرسله المصوّر من إشارات عبر ملامحه، ونظرته، وهدوئه، قد يكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة أو تفادي الخطر.

وفيما يتعلق بالمعدات، شدد على أنه لا يمنحها أهمية مفرطة، بقدر حرصه على ألا تبدو الكاميرا أداة عدوانية، مفضلاً الظهور كشخص عادي لا يشكل تهديداً. وأضاف أن البحث المسبق لا يعلّم المصوّر فقط ما يجب تصويره، بل أيضاً ما ينبغي تجاهله.

كما تحدث عن تجربته في تصوير مجتمعات الغجر، مؤكداً أن الاحترام لا يُعبَّر عنه بالكلمات فقط، بل ينعكس في المظهر، وطريقة الحركة، والابتسامة الصادقة، وكل ما يرسله المصوّر من إشارات غير مباشرة. وروى موقفاً في رومانيا، حين اكتشف أن أحد الرجال كان يتظاهر بالعجز للتسول، لكنه اختار العودة إليهم في اليوم التالي بالطعام والحديث، مدركاً قسوة الظروف التي يعيشونها.

وأكد توماشيفسكي أن الاقتراب من الناس عنصر أساسي في بناء الثقة، إذ يشعر الآخرون حينها بأن المصوّر لا يحمل أجندة خفية، لذا يصبحون أكثر صدقاً وتلقائية. وأشار إلى أن الصورة، مهما بلغت قوتها، تبقى وسيطاً ناقصاً إن لم تُمنح سياقها الإنساني الصحيح.

وفي ختام الجلسة، شدد على أن التصوير ليس مجرد التقاط صور، بل فعل رواية قصص، قائلاً: "أنا لا ألتقط صوراً بقدر ما أروي حكايات. أفضل الصور لا تُلتقط بالعين وحدها، بل بالقلب".