دخل المصور الصحفي الأمريكي الأسطوري ديفيد برنت قاعة جلسته في المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026" وهو يحمل كاميرته بيده، مجسّدًا بفعل بسيط فلسفة امتدت لأكثر من سبعة عقود: كن مستعدًا دائمًا لالتقاط الصورة، مهما كانت الظروف.
وقال بورنت المولود عام 1946 والحائز على عشرات الجوائزالعالمية، من بينها ميدالية روبرت كابا الذهبية (1973)، وجائزةمصور العام من الجمعية الوطنية لمصوري الصحافة (1980)، وجائزة الصورة الصحفية العالمية (1980): "ما زلت متحمسًالالتقاط صورة جيدة… الشغف لم يخفت."
وفي جلسة أدارها المصور ورائد السرد البصري ريك سمولانفي اليوم الختامي من الدورة العاشرة للمهرجان في الجادة، استعاد بورنيت محطات مفصلية من مسيرته، بوصفه أحدآخر المصورين الذين عيّنتهم مجلة Life قبل توقفها كإصدارأسبوعي عام 1972، وموثقًا أحداثًا صنعت التاريخالمعاصر، من حرب فيتنام والثورة الإيرانية إلى متابعة كلالرؤساء الأمريكيين منذ جون كينيدي، وتسجيل الوقائعالمصورة الوحيدة لثلاث عمليات عزل رئاسية.
ووجّه برنت نصيحة مباشرة لجيل المصورين الصاعدين قائلًا: "أطفئوا كل الشاشات… واخرجوا فقط لتكونوا مصورين." في خلاصة تختزل فلسفته في المهنة بعيدًا عن الضجيجالتقني والبحث عن الإعجابات السريعة.
بطاقة صحفية بخمسة دولارات غيّرت المسار
استعاد برنت بداياته الأولى عندما اشترى بطاقة صحفية منخدمة أخبار طلابية بخمسة دولارات فقط خلال سنته الجامعيةالأولى، ليكتشف لاحقًا أنها جهة غير موجودة أصلًا. وقالضاحكًا:
"لم تكن هناك خدمة أخبار طلابية أصلًا… لكنني بعد أسبوعكنت على هامش ملعب كرة قدم دنفر ألتقط الصور. شعرتوقتها أن هذه البطاقة الصغيرة هي بطاقة سحرية تفتح لكالأبواب."
تلك الروح العملية والجرأة المبكرة سترافقه طوال مسيرته فيالوصول إلى قلب الحدث.
فيتنام… والنجاة التي تصنع معنى العمر
ومن أكثر محطات حديثه تأثيرًا، روايته لتجربته في فيتنامبداية السبعينيات، حين اشترى تذكرة ذهاب بلا عودة إلىسايغون بدافع الفضول المهني والرغبة في رؤية الحرب بعينيه. وما كان يُفترض أن يكون شهرًا واحدًا، تحوّل إلى عامين منالتوثيق في واحدة من أكثر الحروب دموية في القرنالعشرين.
وروى برنت حادثة ظلّت محفورة في ذاكرته، عندما حاولالصعود إلى مروحية تقل نخبة من أشهر مصوري الحرب، بينهم لاري بروز من Life، وهنري هويت من AP، وكينت بوترمن UPI، وكيسابورو شيماموتو من نيوزويك، لكنه مُنع فياللحظة الأخيرة بسبب زيادة الحمولة. بعد 15 دقيقة فقط، أُسقطت المروحية فوق لاوس وقُتل جميع من كانوا على متنها.
وقال: "حين تُمنع من ركوب مروحية ثم تكتشف أنها سقطتبعد دقائق، تدرك أن هناك لحظة في حياتك أنقذتك فيهاالصدفة. هذا الشعور يلازمك دائمًا ويذكّرك لماذا يجب أن تظلمخلصًا لصناعة الصورة… لأن هؤلاء ماتوا وهم يحاولون أنيلتقطوا صورة."
حين يتدخّل المصوّر… ليصنع الصورة
لم يكتفِ برنت بمراقبة التاريخ من خلف عدسته، بل روى كيفتدخّل أحيانًا بشكل غير مباشر لصناعة لحظة قابلة للتصوير. ففي أول لقاء بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيمالسوفيتي ميخائيل غورباتشوف، لاحظ أن الكراسي متباعدةبما لا يسمح بلقطة ذات معنى بصري. قال:
"بدأنا نحرّك الكراسي قليلًا ونحن نفحص الإضاءة، قبل أنينتبه بروتوكول القمة… وهكذا حصلنا على الصورة."
وفي زيارة ريغان الأخيرة إلى الكرملين عام 1988، لم يكنهناك أي تفاعل يُذكر أمام العدسات، فاقترح برنت ببساطة: "ماذا عن المصافحة؟" لتُلتقط واحدة من الصور الرمزية فيتلك المرحلة المفصلية من التاريخ الدولي.
الشغف قبل العتاد
وأكد برنت في ختام الجلسة على أن التصوير ليس مسألةمعدات، بل شغف واختيار موضوع يستحق أن يُعاش منأجله، قائلًا: "ابحث عن موضوع تحبه بصدق… وامنحه وقتكواهتمامك، والباقي يأتي لاحقًا."
ويُذكر أن ديفيد برنت صُنّف ضمن قائمة أهم 100 شخصيةمؤثرة في التصوير بحسب مجلة American Photo، كمااختارته شركة سوني فنانًا للحِرفة البصرية، وله 16 كتابًاوعدد من الأفلام الوثائقية الحائزة جوائز أسهمت في تشكيلمسار الصحافة البصرية عالميًا.
وتأتي هذه الجلسة ضمن برنامج "اكسبوجر 2026" الذييضم أكثر من 300 فعالية بمشاركة 420 مصورًا وصانعأفلام من أكثر من 60 دولة، يناقشون قضايا الطبيعة، والثقافة، والصراعات، والإنسان من زوايا بصرية مختلفة.