رحلة طفل مصاب من بغداد إلى واشنطن تطرح التحديات الأخلاقية للنزاعات المسلحة
كشفت المصوّرة الصحفية الوثائقية الأميركية ديان فيتزموريس، الحائزة على جائزة "بوليتزر"، عن تجربة مهنية وإنسانية استثنائية، من خلال مشروعها "قلب الأسد"، الذي وثّق رحلة تعافي طفل عراقي يُدعى صالح خلف، بعد إصابته خلال حرب العراق، ضمن مشروع توثيقي طويل الأمد امتد لأكثر من عقدين من الزمن.
وجاءت هذه الشهادة خلال جلسة بعنوان "حديث: قلب الأسد – قصة صالح"، ضمن فعاليات المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026" في الشارقة، الذي يختتم أعماله في الرابع من فبراير الجاري.
وقالت فيتزموريس إن القصة التي حصدت بها جائزة "بوليتزر" عام 2005 بدأت عام 2003، في الأشهر الأولى من حرب العراق، حين كان صالح، البالغ من العمر تسع سنوات، عائدًا من المدرسة برفقة شقيقه الأكبر ضياء. وخلال سيرهما، لمح صالح جسمًا لامعًا على الأرض، فالتقطه قبل أن يدرك شقيقه أنه قنبلة، فحاول انتزاعها من يده، لكنها انفجرت في تلك اللحظة.
وأسفر الانفجار عن مقتل ضياء على الفور، فيما أُصيب صالح بإصابات بالغة، أدّت إلى فقدانه إحدى عينيه وتعرّضه لبتر شديد في يديه. ولما علم والدهما إبراهيم بالكارثة، اندفع حافي القدمين، يجري لمسافة تقارب الميل دون أن يتوقف.
وعندما وصل إلى مكان الحادث، وجد ابنه الأكبر قد لفظ أنفاسه، بينما كان صالح لا يزال على قيد الحياة رغم نزيفه الشديد، فحمله بين ذراعيه ونقله إلى مستشفى عراقي، حيث حاول الأطباء إنقاذه قبل أن يصارحوه بعدم قدرتهم على التعامل مع حالته الخطيرة، مشيرين إلى أن الأمل الوحيد يكمن في نقله إلى القوات الأمريكية القريبة.
وتوجّه الأب إلى قاعدة جوية أمريكية، وسقط على الأرض باكيًا طالبًا إنقاذ ابنه. وأدرك الطبيب الأمريكي الدكتور جاي يوهانيكمان خطورة الوضع، فأرسل سيارة إسعاف لنقل صالح إلى القاعدة، حيث خضع لعلاج مكثف لعدة أيام، وكانت حالته خلالها حرجة للغاية؛ إذ توقّف قلبه أكثر من مرة، لكنه كان يعود للحياة في كل مرة، ما دفع الطبيب إلى إطلاق لقب "قلب الأسد" عليه. وبعد سبعة أيام من الصراع مع الموت، تقرر نقل صالح إلى الولايات المتحدة ضمن مهمة إنسانية دولية استثنائية.
في تلك الأثناء، كانت ديان فيتزموريس تعمل مصوّرة في صحيفة "سان فرانسيسكو كرونيكل"، حيث كُلّفت بتوثيق حالة طفل عراقي مصاب يتلقى العلاج في أحد مستشفيات منطقة خليج سان فرانسيسكو.
تقول فيتزموريس: "فور دخولي وحدة العناية المركزة، أدركت أنني أمام قصة لا يمكن اختصارها في صورة واحدة أو خبر عابر. كانت الإصابات مروّعة، وبدت آثار الحرب واضحة على جسد طفل صغير".
وخضع صالح لعشرات العمليات الجراحية، وأمضى أسابيع طويلة في المستشفى. وفي أحد الأيام، نزل إلى كافتيريا المستشفى، فبدأ الأطفال يحدّقون به، ما أشعره بالضيق ودفعه للعودة إلى غرفته.
وتضيف قائلة: "كانت حالته النفسية لا تقل سوءًا عن الصحية؛ إلى درجة أنه في إحدى المرات، قام أحد الممرضين بتثبيت قلم في يده لتمكينه من الرسم، وكانت أولى رسوماته طائرات تُلقي القنابل".
ولم تتوقف المأساة عند ذلك؛ إذ لم تتمكن العائلة من العودة إلى العراق بعد أن اعتقد مسلحون أن والده إبراهيم جاسوس أمريكي، فاضطرت الأم وبقية الأطفال إلى الهرب، ليعيش صالح لاحقًا لاجئًا في الولايات المتحدة.
وتقول فيتزموريس: "بعد خروجه من المستشفى، لم تكن حياة صالح سهلة؛ كان الناس يحدّقون به في الأماكن العامة، وكثيرًا ما انهار باكيًا وركض إلى الشارع هربًا من العيون".
ومع مرور السنوات، لم يقتصر المشروع على توثيق نجاته الجسدية، بل تابع انتقاله إلى مرحلة البلوغ، وما رافقها من تحديات نفسية واجتماعية طويلة الأمد، في شهادة بصرية على الآثار غير المرئية للحروب بعد انقضاء المعارك.
ووصفت المصوّرة تلك الرحلة بأنها من أصعب التحديات الأخلاقية التي واجهتها في مسيرتها المهنية، إذ تراوحت مشاعرها بين الرغبة في مواساة إنسان مثقل بالألم، والحاجة إلى توثيق الحقيقة كاملة على امتداد الزمن.
وفي ختام الجلسة، قالت فيتزموريس إن "قلب الأسد" ليس مجرد قصة شفاء، بل سجل بصري يمتد لأكثر من 22 عامًا، يوثّق الكلفة الإنسانية الطويلة للحروب، ويؤكد أهمية أن يبقى المصوّر شاهدًا على حياة الناس بعد أن تختفي الكاميرات وتخفت العناوين، لأن الألم — كما تقول — لا ينتهي بانتهاء الخبر.