أكد المصوّر الفوتوغرافي الإيطالي ريكاردو ماغيريني أن تجربته الفنية تقوم على تجاوز وظيفة الصورة بوصفها توثيقاً لحظة بعينها، نحو مقاربة بصرية تمزج بين التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي، بهدف التعبير عن مفاهيم الزمن والذاكرة والحركة، وتحويل المدينة من فضاء جغرافي إلى تجربة شعورية متراكبة.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026"، الذي ينظمه المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، بالتزامن مع مشاركته في المهرجان بمعرض بعنوان "هندسة الذاكرة بين الزمان والمكان".

من طوكيو… ولادة الأسلوب

وأوضح ماغيريني أن انطلاقته الفعلية في هذا المسار الفني تعود إلى عام 2011، خلال رحلة إلى مدينة طوكيو، حيث واجه إحساساً عميقاً بالاغتراب وكثافة الزمن في المكان الواحد، ما دفعه للبحث عن لغة بصرية قادرة على تجسيد هذه المشاعر المركّبة، بدلاً من الاكتفاء بصورة واحدة تختزل الواقع.

وأشار إلى أن أسلوبه الفني يعتمد على ما يُعرف بـ"التصوير الفوتوغرافي لإعادة البناء"، وهي تقنية تقوم على التقاط عدة صور للموقع نفسه ومن الزاوية ذاتها، ثم دمجها في عمل واحد، بحيث تعكس الصورة الناتجة مرور الوقت وتراكب اللحظات.

المدينة بوصفها تجربة حسّية

وبيّن ماغيريني أن أعماله تركز على تفاصيل المدن، والهندسة المعمارية، وحركة البشر، حيث تتحول المشاهد اليومية العادية إلى تكوينات بصرية شاعرية تعبّر عن روح المكان. ومع تداخل الطبقات الزمنية في الصورة الواحدة، تبدو الأعمال أقرب إلى لوحات تجريدية ذات عمق بصري، تتحدى القراءة الخطية والزاوية الواحدة.

أربع مدن… أربع مراحل

واستعرض ماغيريني خلال الجلسة رحلته الفنية عبر أربع سلاسل رئيسية شكّلت مسيرته وأسهمت في تكريس أسلوبه، وهي: طوكيو، بانكوك، هونغ كونغ، وفلورنسا، موضحاً أن كل سلسلة تمثل مرحلة مختلفة في اكتشاف "روح المدينة".

وأكد أن سلسلة طوكيو شكّلت نقطة التحول في مسيرته، إذ ذهب إليها كمصوّر سياحي، لكنه وجد أن الصورة المفردة عاجزة عن نقل طاقة المدينة وسرعتها، فبدأ هناك بتجربة دمج اللقطات المتعددة لتجسيد ما وصفه بـ"الضياع الجميل" داخل الزحام الحضري.

تصوير ما لا يُرى في بانكوك

وتحدث ماغيريني عن سلسلة بانكوك، وركّزت على حي "تالات نوي" التاريخي، حيث حاول عبر الصورة التقاط عناصر غير مرئية مثل رائحة البخور، وحرارة الطقس، ودخان المصانع. وتتميّز هذه الأعمال بطابع بصري دافئ ومزدحم، تتداخل فيه وجوه الباعة مع تفاصيل الجدران القديمة.



انفجارات زمنية في هونغ كونغ

أما في سلسلة هونغ كونغ، فقد استلهم ماغيريني أعماله من العمارة الشاهقة والكثافة السكانية، متلاعباً بالمنظور العمودي، لتبدو الصور وكأنها انفجارات بصرية للزمن، حيث يختلط المارة بناطحات السحاب في مشهد يوحي بمدينة لا تتوقف عن الحركة.

فلورنسا… العودة الأكثر عاطفية

وأشار ماغيريني إلى أن سلسلة فلورنسا جاءت بعد سنوات من تصوير مدن العالم، لتكون الأكثر عاطفية، حيث عاد إلى مسقط رأسه ليعيد قراءتها منظوره الجديد. وفي هذه الأعمال، تتداخل عظمة التاريخ الإيطالي مع الحياة اليومية المعاصرة، فتبدو الساحات والتماثيل وكأنها تذوب في حركة السكان والزوار، في تعبير عن تزامن الماضي والحاضر في لحظة واحدة.

واختتم ماغيريني حديثه بالتأكيد على أن هذه السلاسل الأربع لا تمثل مجرد صور لمدن، بل تشكّل سجلاً زمنياً بصرياً، تتحول فيه الشوارع من أماكن ثابتة إلى مساحات فنية تحكي قصص الإنسان والزمن معاً.