قالت المصورة البرتغالية المقيمة في دبي، آنا باكهاوس، إن السرد البصري يمكن أن يكون وسيلة فردية للنجاة، واستعرضت في جلسة حوارية على هامش المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر"، الذي نظمه المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة في منطقة الجادة، دور الكاميرا في رحلة تعافيها من أحزانها بعد صدمة رحيل والدتها.
وأضافت: "عندما علمت بإصابتها بالسرطان، حاولت بكل قوتي أن أريها أني قوية، وسعيت للتأكيد على أنها ستتجاوز الأمر حتى تتماثل للشفاء، وأخذت ألتقط لها الكثير من الصور وأنا أردد: «سننظر ذات يوم إلى هذه الصور لنسترجع كيف تغلبنا على المحنة»".
وأوضحت باكهاوس في الجلسة التي أدارها فرانك ميو، أن الكاميرا شكّلت في تلك المرحلة ما يشبه "المرشّح العاطفي" الذي حال دون انهيارها الكامل، واعترفت بأنها كانت تختبئ خلف العدسة، لا للهرب، بل لحماية والدتها من ثقل انفعالها.
وأكدت أن أي اضطراب عاطفي كان ينعكس سلباً على حالتها الصحية، وهو ما جعلها تحاول دائماً كبت مشاعرها أمامها، رغم تعقيد هذا التوازن الإنساني القاسي.
وحول تعدّد أدوارها كإبنة ومصوّرة وأم في آنٍ واحد، أوضحت أن المشروع اتخذ طابعاً تجريبياً منذ بدايته، دون خطة سردية واضحة، وأن هدفها الأول كان إبراز قوة والدتها.
وبيّنت أن والدتها كانت متقبّلة تماماً للتصوير، بل وشاركت في لحظات فرح عفوية، وكانت تثق بها ثقة مطلقة، "بعض الصور كانت تُشاهَد في حينها، بينما فضّلت والدتها تأجيل رؤية صور أخرى، لأن التصوير كان جزءاً من عملية المعالجة النفسية للمصوّرة، حتى وإن بدا ثقيلاً على المريضة في تلك اللحظة".
وتطرّقت باكهاوس إلى التحوّل الذي طرأ على علاقة والديها خلال فترة المرض، مشيرة إلى أن الأدوار انعكست، وأصبح والدها هو الراعي، في تجربة وصفتها بـ"الجميلة والصامتة"، حيث تحوّل الصمت بينهما إلى شكل من أشكال الشراكة العميقة، وهو ما حاولت التقاطه بصرياً وسط الألم.
وأشارت إلى صور ذات دلالة خاصة، من بينها صورة التُقطت في الذكرى الخمسين لزواج والديها خلال فترة جائحة كوفيد-19، وأخرى في غرفة نوم الطفولة التي بدت لها أشبه ما تكون بـ"كبسولة زمنية"، عادت بها إلى مرحلة الطفولة.
وبعد رحيل والدتها، وصفت باكهاوس المرحلة الأصعب بكونها لحظة إدراك أنها أصبحت أماً بلا أم، معتبرة هذا التحوّل تجربة موجعة. وأوضحت أن والدتها كانت تحاول التماسك من أجل أحفادها، وأن توثيق علاقتها بابنها كان مصدراً للجمال والأمل وسط الحزن، مشيرة إلى أنها أعدّت لاحقاً ألبوماً خاصاً لابنها يوثّق علاقته بجدته، بحساسية عالية، باعتبار أن الصور الملتقطة قبل المرض هي الوسيلة الوحيدة التي ستبقى له ليتعرّف إلى جدته في أوج صحتها.
وأكدت أن هذه التجربة جعلتها مصوّرة أفضل، وأن الألم أصبح جزءاً من قصة عائلتها، مشيرة إلى أن السرد البصري متجذّر في وعيها، ربما لتأثرها بوالدتها التي كانت معلمة لغة ومحبّة للكتابة، فيما اختارت هي أن تكون "راوية بصرية".
وقالت: "ابني منحني الأمل؛ فلا حب أعظم من حب الأطفال غير المشروط، أردت أن أكون نسخة أفضل من نفسي، وكنت أعلم أن أمي لا تريد أن أنكسر"، مضيفةً: "مع كل صورة كنت أقول: أنا لست بخير، لكن ربما سأكون بخير".
وتحدثت عن الطبيعة باعتبارها ملاذاً علاجياً، حيث لجأت إلى تصويرها بوصفها استعارة عن مشاعر العجز والمسافة والفقد، قبل أن توجّه العدسة إلى ذاتها، وتستخدم البورتريه الذاتي كصرخة صامتة للألم.