كشف المصوّر الصحفي الفرنسي المخضرم أوليفييه جوبار عن جانب إنساني بالغ العمق من مسيرته المهنية، مستعرضًا تجربة توثيق استثنائية امتدّت على مدار 12 عامًا، رصد خلالها تداعيات الهجرة غير الشرعية على اللاجئين الأفغان، من خلال علاقة إنسانية نشأت بينه وبين طفل أفغاني تعرّف إليه في شوارع باريس.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "توثيق لمدة 12 عامًا"، ضمن فعاليات المهرجان الدولي للتصوير "اكسبوجر 2026"، حيث استعاد جوبار لحظة لقائه الأول بالطفل غوربانا عام 2011، حين رآه للمرة الأولى يعيش تحت أحد جسور العاصمة الفرنسية، دون أن يتخيّل أن تلك المصادفة ستتحوّل إلى مشروع إنساني وتوثيقي طويل الأمد.

وأوضح جوبار، الذي غطّى على مدى عقود عدداً من أبرز النزاعات العالمية، من كرواتيا والبوسنة والشيشان، إلى أفغانستان والسودان وسيراليون وليبيريا وكولومبيا والعراق، أن ما يميّز تجربته ليس الحدث بحد ذاته، بل الإنسان في قلبه؛ هشاشته، وتجربته، وقدرته على الصمود وسط أقسى الظروف.

طفل تحت الجسر… وبداية الحكاية

وقال جوبار: "كنت أعمل على تقرير مصوّر لإحدى المجلات الفرنسية حول أوضاع المهاجرين، وكان غوربانا الوحيد الذي اقترب مني. لم يكن يتحدث الفرنسية، فقد وصل لتوّه من أفغانستان بعد رحلة هجرة غير شرعية امتدّت لأكثر من سبعة آلاف كيلومتر، لكن لغة الجسد كانت كافية لأدرك أنه بحاجة إلى حماية فورية".

وأضاف أن خبرته التي امتدّت لأكثر من 15 عامًا في توثيق قضايا الهجرة غير الشرعية جعلته يلاحظ تماسك الطفل ورباطة جأشه، وهو ما أثار تساؤلاته: "كيف لطفل في هذا العمر أن يخوض تجربة بهذه القسوة؟ كان ذلك يدفعني، تلقائيًا، إلى التفكير بأطفالي".

من العبور إلى الاستقرار

وبيّن جوبار أن غوربانا لم يكن ينوي البقاء في فرنسا، بل كان يخطط للوصول إلى إنجلترا للالتحاق بشقيقه، إلا أن تدخّل جمعيات محلية أسهم في نقله إلى مكان آمن، حيث تقرر بقاؤه في فرنسا، وتم إلحاقه بخدمات الرعاية الاجتماعية ووضعه لدى أسرة حاضنة في باريس، إلى جانب خضوعه لجلسات علاج نفسي.

وأوضح أن شعور الطفل بالأمان كان أولوية، قائلاً: "في تلك اللحظة تحوّلت العدسة من أداة تصوير إلى وسيلة سرد، وبدأت أوثّق محطات حياته لا بوصفه موضوعاً صحفياً، بل إنساناً".

وأشار إلى أن هذا المسار انتهى بإنتاج فيلم وثائقي استغرق العمل عليه ثماني سنوات، شاركته فيه زوجته، ليتحوّل المشروع إلى جزء من حياتهما اليومية.

عائلة تتّسع وعدسة تقترب

وأضاف جوبار أن غوربانا، بعد إنهاء دراسته، أصبح حلمه التالي الحصول على الجنسية الفرنسية، ومع بلوغه سن الرشد وتوقف دعم خدمات الطفولة، بقي بحاجة إلى سند إنساني، فطلب من جوبار وزوجته أن يكونا وصيّيه القانونيين، وهو ما قبلاه "بكل فخر"، على حد تعبيره.

وتابع: "في عام 2017 عدنا معاً إلى قريته في جبال أفغانستان بعد عشر سنوات من الغياب، ثم في صيف 2021 عايشنا معاً سيطرة طالبان على كابول. كان قلقه الأكبر على عائلته، وبعد أيام طويلة من الانتظار والخطر، تمكّن أربعة من إخوته من الوصول إلى فرنسا، واستقبلناهم في منزلنا مع أطفالنا. كانت لحظة إنسانية لا تُنسى".

وأشار إلى أنه واصل التصوير داخل حياته الخاصة، رغم تحفّظه السابق على ذلك، قائلاً: "شعرت أن عائلتنا تكبر، وأن هذا التحوّل يستحق التوثيق".

الصورة والزمن… شهادة مفتوحة

واختتم جوبار حديثه بالإشارة إلى عودته لاحقًا إلى أفغانستان، حيث وجد واقعًا مغايرًا: مدارس مدمّرة، ونساء محرومات من التعليم، وأماكن كانت تعج بالحياة وقد خيّم عليها الصمت، مضيفًا: "ورغم كل ذلك، تستمر الحياة… ويستمر الأمل".

وأكد أن الجلسة لم تقدّم إجابات جاهزة، بل طرحت أسئلة مؤجّلة، مشدداً على أن الصورة، حين تُمنح الوقت الكافي، تصبح قادرة على كشف الحقيقة بتفاصيلها الصادقة، وأن الزمن ليس خلفية للصورة، بل قلبها النابض.