في تلك اللحظات  كانت الحياة وكأنها تعزف سيمفونية وداع حزينة وصاخبة في الوقت ذاته، كانت كأنها تصرخ فينا لكي نصحو ونحمي تنوع الحياة فيها، كانت وكأنها تنذرنا بأن مصير " سودان" وحيد القرن الأبيض الأخير من نوعه  على وجه الأرض، سيكون مصيرنا جميعاً يوماً ما".

سودان و فيتالي في رحلة اكتشاف

بهذه الكلمات المؤثرة، وصفت المصورة الفوتوغرافية العالمية " آمي  فيتالي" على منصة "إكسبوجر" اللحظات الأخيرة من حياة وحيد القرن الإفريقي الأبيض الأخير من نوعه. فيتالي قالت، إنها التقت "سودان" في رحلة كان من المقرر أن تكون لأيام معدودة بهدف تصوير الحرب الأهلية في القارة الإفريقية، ولكنها امتدت لشهور طويلة، لأنها اكتشفت أن الحرب هناك ليست بين البشر فقط، بل بين الحياة من ناحية، والجشع وتغير المناخ وقسوة الطبيعة وصائدي الثروات والفقر والتهميش من ناحية ثانية.

"سودان" الذي كان قد نقل من حديقة حيوانات في جمهورية تشيك إلى محمية طبيعية في إفريقيا لم يطل بقاؤه بعد أن تركته فيتالي لتعود إلى وطنها الأم في أميركا لتتلقى مكالمة هاتفية تخبرها بأن تعود إلى إفريقيا بسرعة، وعادت لتجد "سودان" يلفظ أنفاسه الأخيرة تاركاً الأرض خالية من هذا النوع من الحيوانات التي عاشت ملايين السنين.

هل لديكم قمر في أميركا؟

تنتقل فيتالي في حديثها من سودان إلى "ليو" الطفل الإفريقي الذي لم يكن يعرف أي شىء عن العالم خارج صحراء كينياا، لدرجة أنه سألها في إحدى المناسبات: هل لديكم قمر في أميركا، لتجيبه فيتالي بدهشة: نعم طبعاً لدينا قمر وهو القمر نفسه الذي لديكم.

تقول فيتالي: "إن هذا السؤال جعلني أفكر برسالة هامة على المصور أن يحملها أينما ذهب، وهي التعريف بالمشترك بين البشر، و أننا جميعنا تحت سماء واحدة ونتشارك الأرض والموارد والأحلام ذاتها، و هذه البشرية ذات المصير المشترك لا خلاص لها سوى الإلقتاء لأن الاختلاف لم يعد خياراً متاحاً أمام أحد".

وتتابع فيتالي:" ليس ليو وحده من يجهل وجود قمر في أميركا، بل إن العالم كله يجهل وجود أقمار جميلة، هم  السكان الأصليين الذين أخذوا على عاتقهم حماية الأرض وتنوع الحياة فيها. قبل الذهاب إلى كينيا لم أدر أن هناك حراساً يشكلون خط الدفاع الأول عن موارد الكوكب، هؤلاء الحراس من القبائل والجماعات التي لا يرصد وجودها حتى أقمارنا الصناعية لعجزها عن سبر غور الغابات الكثيفة، وعندها أدركت أن مهمتي كمصورة أن أقدمهم إلى العالم بالشكل الذي يستحقونه.  

هذه القصص وغيرها ترويها المصورة وصانعة الأفلام الوثائقية آمي فيتالي من خلال جناحها في المهرجان الدولي للتصوير "إكسبوجر" 2019، الجناح الذي يحمل اسم " الوداع الأخير" تخليداً لذكرى سودان، ويحتضن 7 صور ترصد حياة سودان وليو، والتحولات التي طرأت على شخصية ووعي المصورة نفسها التي قالت في ختام كلامها:

"لقد غيرتني الكاميرا ومنحني التصوير قوة لم أكن أعرف بوجودها، وأتمنى من خلال مشاركتي في إكسبوجر هذا العام أن أكون جزءاً من التغيير الذي يحتاجه هذا العالم ليكون أجمل".