في جلسة حوارية شهدت إقبالاً وتفاعلاً كبيرين من الجمهور، استضاف المهرجان الدولي للتصوير "إكسبوجر"2018، الذي ينظمه المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، تحت شعار "لحظات ملهمة"، في مركز إكسبو الشارقة، أشهر مصورين عالميين متخصصين في تغطية الحروب، هما المصور البريطاني السير دون ماكلين، والمصور الأمريكي ديفيد بورنيت.
وحضر الجلسة التي حملت عنوان "أرشفة التغيير"، وأدارها المصور الصحافي معن حبيب، عضو جمعية مصوري الصحافة الوطنية في الولايات المتحدة، كلٌ من الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، رئيس مجلس الشارقة للإعلام، وسعادة طارق سعيد علاي، مدير المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة.
واستعرض الضيفان خلال الجلسة تجربتهما في تصوير مناطق النزاعات في جميع أنحاء العالم وتوجيه عدساتهما نحو جبهات القتال ومناطق الحروب، وتحدثا عن الظروف التي صاحبت تغطيتهما لأحداث سياسية وعسكرية ظلت خالدة في التاريخ الإنساني أهمها حرب فيتنام، والثورة على نظام الشاه في إيران، والحرب في بنغلاديش، فضلاً عن المجاعة التي ضربت عدداً من دول القارة السمراء في ثمانينيات القرن الماضي، وأخيراً تغطية الحرب في سوريا والموصل بالعراق.
وعن بدايات دخوله لمجال التصوير الحربي قال السير دون ماكلين: "نشأت وترعرعت في مدينة لندن التي كان ولا يزال القانون فيها أمراً مهماً، وحتى لا أتعرض لمواقف قد تكون نتائجها وخيمة بالنسبة لي فيما بعد، كان عليّ تعلم عمل محدد. أذكر وأنا في سنوات الصبا الأولى وقوع مشاجرة عنيفة في الفناء الذي يطل علي منزلنا بين عصابتين، وجاءت الشرطة لفضها وعلى إثر ذلك تعرض أحد أفراد الشرطة للطعن، وكنت قد قمت بتصوير هذه الحادثة، وتم نشر الصور على صفحات صحيفة الأوبزرفر، وأذكر أن الجميع لم يصدق أن من قام بالتقاط هذه الصور هو صبي صغير، ومن هنا بدأت رحلتي الطويلة في عالم التصوير".
وحول البعد الإنساني لمهنة التصوير قال ماكلين: "مع بداية عملي في تغطية الحروب لم أكن أشعر بأن هناك شيئاً يدعوني للتفكير في الأسباب التي تجعل الإنسان يقتل أخيه الإنسان، ولكني وجدت هذا الشعور يتلاشى تدريجياً إلى أن غاب تماماً مع ممارستي للتصوير الذي كان له دور كبير في تغيير نظرتي حول كثير من القضايا، حيث أصبحت أكثر استغراقاً في التفكير فيما يحدث من حولي".
وأضاف ماكيلن: "أكثر ما يؤلم المصور أثناء تغطية الحروب هو عدم قدرته على إحداث فرق إيجابي للمدنيين المتضررين من الحروب، فالمصور ليس بطبيب أو مسعف أو مغيث، ويتجسد دوره في نقل الأحداث إلى العالم، وأذكر انني كنت أقوم بتصوير معسكر للاجئين في مدرسة بإحدى الدول الأفريقية حيث شهدت وفاة 800 طفل، وكنت أقف عاجزا ولا أجد ما أقدمه لهم سوى نقل مأساتهم إلى العالم... وعندما غادرت كنت أشعر بالخزي والعار كوني لم أستطع المساهمة في تغيير أوضاعهم إلى الأفضل، كما شهدت مرضى الإيدز يموتون في جنوب أفريقيا دون توفير الرعاية الصحية والدعم لهم".
وتابع ماكلين: "سافرت خلال عملي كمصور صحفي حربي إلى العديد من بلدان العالم منها إيران وفيتنام، وجنوب أفريقيا وبعض الدول الأفريقية، ففي العام 1975 وكان عمري وقتها 23 عاماً ذهبت إلى فيتنام حيث كان لدي بعض الأصدقاء هناك وهو ما منحني فرصة تغطية الحرب التي كانت مندلعة آنذاك كمصور حر ليس لديه ارتباط بأي جهة، وأذكر أنني كنت أنوي البقاء لمدة شهرين فقط، ولكن مع تصاعد وتيرة الأحداث وجدت نفسي قد مكثت عامين كاملين".
وفي إجابته على سؤال حول سبب تركيزه على التصوير بتقنية الأبيض والأسود قال ماكلين: " أميل للتصوير بالأبيض والأسود، حيث أرى أن الصورة غير الملونة تأخذ المتلقي بعيداً وتسيطر على تفكيره وحواسه... ولكونها مظلمة أركز من خلالها على نقطة معينة يمكن للألوان أن تشتتها، فالصورة المطبوعة بالأبيض والأسود أكثر قوةً من الصورة الملونة".
ومن جانبه، قال ديفيد بورنيت: "أنا من جيل كان شغوفاً جداً بالصور التي تعرضها المجلات الأسبوعية وشاشات التلفاز، وكنت منجذباً بشدة إليها كغيري من أبناء جيلي، كما كنت معجباً بالسحر الذي يقدمه التصوير، فأجد في التقاط الصورة وعملية التحميض أعلى درجات السحر. وكانت تجربتي الأولى مع التصوير عندما قمت بالتقاط صورة لمجموعة من لاعبي كرة السلة، وتم نشرها في مجلة ويكلي 55، ومنحوني خمسة دولارات وكان عمري وقتها 16 عاماً".
وحول اضطرابات ما بعد الصدمة التي قد تلازم المصور الحربي قال بورنيت: "لابد أن تتأثر وأنت تقوم بتصوير ورصد الفظائع والمآسي الإنسانية التي تراها، لتظهر مشاعرك ومواقفك إزاء ما يحدث من خلال صورك، ولفظاعة ما رأيته خلال مسيرتي المهنية كنت أشك في الشفاء من آثار الحرب".
وأضاف بورنيت: "أتاح لي التصوير أنا أكون شاهداً على عصر كامل من الأحداث المفصلية التي غيرت ملامح العالم أهمها انهيار جدار برلين، حيث كنت دائماً ما أقضي الأربعاء في ألمانيا وأعود الخميس وهو اليوم الذي تفتح فيه ألمانيا الشرقية أبوابها، ولحسن حظي قمت في إحدى زياراتي بتغيير حجزي ليكون يوم الخميس ووصلت صباح الجمعة الذي شهد انهيار الجدار وأصبح في لحظات مجموعة من الأعمال الفنية، وليكتب على إثر ذلك تاريخ جديد لألمانيا".
واتفق بورنيت مع ماكلين في نظرته للتصوير من الجانب الإنساني حيث قال: "عايشت الموت في إفريقيا جراء الجوع والمرض والحروب، حيث كنت شاهداً على المجاعة الكبرى التي ضربت أثيوبيا في العام 1984، وقدم ألهمتني صورة كنت قد التقطتها لامرأة تحمل طفلها الصغير بطريقة جسدت فيها حب الأم لصغارها، وأكدت لي هذه الصورة أن هناك أشياء إيجابية تخرج من الحالة المأسوية، وهذا الموقف لا يمنعني من التأكيد على أن أكثر ما يحزن المصور أثناء تغطية مثل هذه المآسي هو شعوره بالعجز التام وهو يلتقط هذه الصور، ولكن أذكر أننا كنا نقوم بإطلاق حملات للتبرع لدعم ضحايا الكوارث الطبيعية والحروب".